الزركشي

297

البحر المحيط في أصول الفقه

ثانيها أن يعلموا ذلك عن ضرورة إما بعلم الحس من مشاهدة أو سماع وإما أخبار متواترة لأن ما لا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه فلا يحصل به العلم . قال الأستاذ أبو منصور فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه واعتقدوه بالنظر أو الاستدلال أو عن شبهة فإن ذلك لا يوجب علما ضروريا لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية بحدوث العالم وتوحيد الصانع ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقع لهم العلم بذلك لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار فإن المطلوب صدور عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المحبوب والمرغوب وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال قال فالوجه اشتراط صدور الأخبار عن البديهة والاضطرار هذا كلامه وغايته الحس أيضا لأن القرائن المفيدة للعلم الضروري مستندة إلى الحس . ثالثها أن تكون مشاهدة الشاهدين للمخبر عنه حقيقة وصحيحة فلا تكون على سبيل غلط الحس فلذلك لا يلتفت إلى إخبار النصارى بصلب المسيح . رابعها أن يكون بصفة يوثق معها بقولهم فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك الخبر لم يلتفت إليه . خامسها أن يبلغ عدد المخبرين إلى مبلغ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب وذلك يختلف باختلاف القرائن والوقائع والمخبرين ولا يتقيد بعدد معين بل هذا القدر كاف ومنهم من عبر عنه بأن تكون شواهد أحوالهم تنفي عن مثلهم المواطأة والغلط ولا خلاف في هذا ولكن اختلفوا هل يشترط فيه عدد معين والجمهور على أنه ليس فيه حصر وإنما الضابط حصول العلم فمتى أخبر هذا الجمع وأفاد خبرهم العلم علمنا أنه متواتر وإلا فلا لكن منهم من قطع به في جانب النفي ولم يقطع في جانب الإثبات فقال بعدم إفادة عدد معين له . وتوقف القاضي أبو الطيب وقال يجب أن يكونوا أكثر من أربعة لأنه لو كان خبر الأربعة يوجب العلم لما سأل الحاكم عن عدالتهم إذا شهدوا عنده . وقال ابن السمعاني ذهب أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة فما زاد فعلى هذا لا يجوز أن يتواتر بأربعة لأنه عدد معين في